صفي الرحمان مباركفوري

319

الرحيق المختوم

المرحلة الثانية طور جديد إن هدنة الحديبية كانت بداية طور جديد في حياة الإسلام ، والمسلمين ، فقد كانت قريش أقوى قوة وأعندها وألدها في عداء الإسلام ، وبانسحابها عن ميدان الحرب إلى رحاب الأمن والسلام ، انكسر أقوى جناح من أجنحة الأحزاب الثلاثة - قريش وغطفان واليهود - ولما كانت قريش ممثلة للوثنية وزعيمتها في ربوع جزيرة العرب ؛ انخفضت حدة مشاعر الوثنيين ، وانهارت نزعاتها العدائية إلى حد كبير ، ولذلك لا نرى لغطفان استفزازا كبيرا بعد هذه الهدنة ، وجل ما جاء إنما جاء من قبل إغراء اليهود . أما اليهود فقد كانوا جعلوا خيبر بعد جلائهم عن يثرب وكرا للدس والتامر ، كانت شياطينهم تبيض هناك وتفرخ ، وتؤجج نار الفتنة ، وتغري الأعراب الضاربة حول المدينة ، وتبيت للقضاء على النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين ، أو لإلحاق الخسائر الفادحة بهم ، ولذلك كان أول إقدام حاسم من النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد الهدنة هو شن الحرب الفاصلة على هذا الوكر . ولكن هذه المرحلة التي بدأت بعد الهدنة أعطت للمسلمين فرصة كبيرة ، لنشر الدعوة الإسلامية وإبلاغها ، وقد تضاعف نشاط المسلمين في هذا المجال ، برز نشاطهم في هذا الوجه على نشاطهم العسكري . ولذلك نرى أن نقسم هذه المرحلة على قسمين : 1 - النشاط في مجال الدعوة ، أو مكاتبة الملوك والأمراء . 2 - النشاط العسكري . وقبل أن نتابع النشاط العسكري في هذه المرحلة ، نتناول موضوع مكاتبة الملوك والأمراء ، إذ الدعوة الإسلامية هي المقدم طبعا ، بل ذلك هو الهدف الذي عانى له المسلمون ما عانوه من المصائب والآلام ، والحروب والفتن ، والقلاقل والاضطراب .